ابن حمدون

112

التذكرة الحمدونية

عشيرته فتدافعوه ، فأدّى ديتين فاستوعبتا ماله ، فخرج ضاربا في الأرض حتى أوغل في مفاوز اليمن . قال أبو الهيثم : فحدثني شيخان منّا ممن أدركه وسمع حديثه من فلق فيه [ 1 ] ، قال : بينا أنا ذات عشيّة في بعض تلك الأغفال [ 2 ] أوائل الليل إذ حبا لي نشء [ 3 ] فألبس الأفق ، فهمهم وتهزّم ، وأطلَّت أعاليه وتلاحقت تواليه ، وبرق فخطف ، ورعد فرجف ، وأشرفت على الهلاك ، وإني مع ذلك لسخيّ بنفسي أودّ لو هلكت لأعذر ، والنفس مجبولة على طلب النجاة ، فملت لأقرب الجبال مني لأعتصم بلجأ منه ، فلما سندت في سفحه عرض لي غار غامض ، فأطمأننت إليه ، فإذا نار كالمصباح تخبو تارة وتضئ أخرى ، واحتفل السحاب وشري [ 4 ] المطر ، فاندفعت في الغار فأنخت في أدناه ، فإذا نار في لوذ منه ، فعقلت مطيتي وأخذت سيفي وولجت ، لكني هجمت على شويخ [ 5 ] يوقد نويرة وبين يديه حمار قد قيّده ونبذ له أضغاثا فقلت : عم ظلاما ، فقال : نعم ظلامك ، من أنت ؟ فقلت : خابط ضلال ومعتسف أغفال ، فقال : أعاف أم باغ [ 6 ] ؟ فقلت : بل راكب خطار ، وخائض غمار ، تؤدي إلى بوار ، فقال : إنّك لتنبىء عن شرّ ، ليفرخ روعك ، اجلس وخفّض عليك وتطامن ، فلما اطمأننت قال : قرّب مطيّتك واحطط رحلها ، واعضد لها من أغصان السّمر المتهدل على فجوة هذا الغار ، ففعلت ، ثم أقبلت إليه [ 7 ] فجلست ، فاستنبث [ 8 ] رمادا إلى جانب موقده فاختفى [ 9 ] خبزة فلطمها بيده حتى